محمد متولي الشعراوي

2782

تفسير الشعراوى

كأمة بلاغتها مصنوعة ، ولا نملك اللسان العربي المطبوع . ولولا أننا تعلمنا العربية لما استطعنا أن نتكلمها . أما العربي الفصيح الذي نزل عليه القرآن فقد كان يتكلم اللغة العربية دون أن يجلس إلى معلم ، ولم يتلق العلم بأن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب بل تكلم اللغة بطبيعته وملكته . أما نحن فنعيش في زمن مختلف . وطغت علينا العجمة وامتلأت آذاننا باللحن ، وصرنا نعلّم أنفسنا قواعد اللغة العربية حتى نتكلم بأسلوب صحيح . وقد جاءت القواعد في النحو من الاستنباط من السليقة العربية الأولى التي كانت بغير تعليم . واستقرأ العلماء الأساليب العربية فوجدوا أن الفاعل مرفوع والمثنى يرفع بالألف ، وجمع المذكر السالم يرفع ب « الواو » ؛ وهكذا أخذنا القواعد من الذين لا قواعد لهم بل كانوا يتكلمون بالسليقة وبالطبيعة والملكة . لقد سمع العربي قديما ساعة نزل القرآن قوله الحق : « فَبِما نَقْضِهِمْ » ولم يتنبه واحد منهم إلى أن شيئا قد خرج عن الأسلوب الصحيح ، ونعلم أن بعضا من العرب كانوا كافرين برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يصدقون القرآن ، ولو كانت هناك كلمة واحدة تخرج عن المألوف في اللغة لصرخوا بها وأعلنوها . ولكن القرآن جاء بالكلام المعجز على لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليبلغهم به ، موضحا : جئت بالقرآن معجزة تعجزون عن محاكاته ؛ مع أنكم عرب وفصحاء . والمتحدّى يحاول دائما أن يتصيد خطأ ما ، ولم يقل واحد من العرب إن في القرآن لحنا ، وهذا دليل على أن الأسلوب القرآني يتفق مع الملكة العربية . وقوله الحق : « فَبِما نَقْضِهِمْ » هي في الأصل : بنقضهم الميثاق فعلنا بهم ما صاروا إليه ، و « ما » جاءت هنا لماذا ؟ قال بعض العلماء : إنها « ما » زائدة ، وهي زائدة للتأكيد . ونكرر : إياك أن تقول إن في كلام اللّه حرفا زائدا ، لقد جاءت « ما » هنا لمعنى واضح . والحق في موقع آخر من القرآن يقول : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ ( من الآية 19 سورة المائدة )